أبي منصور الماتريدي

256

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كان التفسير من قبل جزءا من الحديث ، وكان التفسير يقوم على الأسانيد ، فجاء مفسرون كثيرون في حوالي القرن الخامس الهجري فاختصروا الأسانيد ، ونقلوا الأقوال من غير أن يعزوها إلى قائليها ، ومن ثم كثر الدخيل في التفسير ، ثم إن التفسير غلب عليه التأويل والتفسير الاجتهادي لعلماء برعوا في بعض العلوم ، وبرزوا فيها ، ومنهم من هم من أهل السنة والجماعة ، ومنهم من هم من أهل الزيغ والابتداع ، فصار كل واحد منهم يميل بالتفسير إلى إبراز ما برع فيه ، فالنحوي ليس له هم إلا الإعراب وذكر الأوجه المحتملة في الآية ، والأخباري ليس له هم إلا ذكر القصص واستيفاؤها عمن مضى من الأنبياء والأمم والملوك ، وذكر ما يتعلق بالنقد والملاحم وأحوال الآخرة ، والفقيه يكاد يسرد فيه مسائل الفقه جميعها ، وكثيرا ما يستطرد إلى إقامة الأدلة ، وبيان منشأ الخلاف إلى غير ذلك مما لا تعلق له بالآية ، وصاحب العلوم العقلية قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبههم والرد عليها ، ويخرج من شيء إلى شيء ، ويستطرد ثم يستطرد حتى ينسى الإنسان أنه في كتاب تفسير ، ويخيل إليه أنه يقرأ كتابا من كتب الكلام ، وأصحاب المذاهب المبتدعة قد نحوا بالتفسير ناحية مذاهبهم كالشيعة والمعتزلة والباطنية والروافض وغيرهم « 1 » . ورغم هذا التعدد في الاتجاهات حول تفسير القرآن الكريم فإنه يمكننا أن نقول : إن مناهج التفسير القديمة تذهب في اتجاهات ثلاثة : الاتجاه الأول : منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور . والاتجاه الثاني : منهج تفسير القرآن الكريم بالرأي . والاتجاه الثالث : التفسير الإرشادي وغرائب التفسير . وفي الصفحات التالية نلقي الضوء على هذه المناهج ، ببيان أهم ما يميز كل منهج ومميزاته ، وأوجه القصور فيه . 1 - منهج تفسير القرآن الكريم بالمأثور التفسير بالمأثور هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه ، فالتفسير بالمأثور إما أن يكون تفسير القرآن بالقرآن أو تفسير القرآن بالسنة النبوية ، أو تفسير القرآن بالمأثور عن الصحابة « 2 » ، وبعضهم أدرج في التفسير بالمأثور

--> ( 1 ) ينظر : محمد بن محمد أبي شهبة : الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير ص ( 104 - 110 ) . ( 2 ) ينظر : الزرقاني ، مناهل العرفان في علوم القرآن ص 12 ، ومحمد علي الصابوني : التبيان في علوم القرآن ( 2 / 63 ) .